خطبة التوبة أم التورّط؟

☕ "كنت أظن أني سأشرح للناس معنى التسامح، فإذا بهم يطالبونني بأن أُشوى أولًا."

"خُيّل إليّ أن منبر المسجد يمحو الذاكرة... لكنه فجّرها."
"وإذا كان هذا حلمًا، فمتى نبدأ الكوابيس الحقيقية؟"

☕ خير اللهم اجعلو خير

في خطبة جمعة منفى... بشار يشرح التسامح، ويسأل الشعب: هل يُغفَر له؟

✍️ بقلم: بشار الأسخر
مرافق دائم لديكتاتور سابق في أزمة فلسفية. أدوّن عنه - وأحيانًا بلسانه - ما لم يعد يجرؤ على قوله علنًا. اعترافات؟ أوهام؟ محاولة متأخرة للتوبة؟ ربما كل ذلك معًا.

دعاني على فنجان قهوة. لا في قصر، ولا في قبو. بل في مقهى مجهول في مدينة تستقبل الضائعين أو الأشباح.

كان جالسًا قبلي، يحدّق في فنجانه كأن القهوة تقرأه، لا العكس. صافحني، تنهد، وقبل أي مقدّمة، تمتم:

"خير... اللهم اجعلو خير."

(كالعادة، يبدأ بالاستعاذة... من نفسه.)

بعد صمت طويل، أضاف:

"حلمتُ حلمًا غريبًا يا بشار. كابوسي، لكنه صادق. وربما... نبوءة؟"

(تقدم ملحوظ: أصبح لا يجد الصدق إلا وهو فاقد للوعي.)

فتحت دفتري:
— "احكِ. قد تكون أول رئيس عربي يروي حلمه دون رقابة."

قال:

"كنت على منبر. لا منبر عسكري. منبر مسجد. بلا حواجز أمنية. بلا كاميرات.
ارتديت جبة بيضاء وعمامة خضراء. شعرت أنني وُلدت لأخطب لا لأحكم.
المصلّون أمامي. وأنا؟ مستعد لخطبة جمعة عن التسامح."

(فقط في الأحلام، يتحوّل الجلّاد إلى خطيب... باللون الأبيض طبعًا.)

أيها الإخوة المؤمنون...
حديثنا اليوم عن التسامح.
التسامح ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قوة داخلية، صفاء روحي، وبصراحة... وسيلة للتعايش مع الذاكرة دون أن نصاب بالفصام.

(همهمة من الخلف: "فصام؟!")

أن تسامح من أساء إليك، وتصفح عمن ظلمك، فذلك من شيم الكبار... أو على الأقل، من لم يفتح فرع أمن في كل حي.

التسامح لا يعني النسيان. أحيانًا، نحتاج أن ننسى القديم... أو نتظاهر بذلك.

(صوت من المصلين: "ونسينا أولادنا تحت الأنقاض؟")

من أراد أن يطوي الصفحة، عليه أن يقرأها أولًا. لا يُغلق دفتر مغطّى بالدم دون قراءة سطوره.

(ومن قال إن المصلّين سيسمحون لك بإغلاقه أصلًا؟)

فجأة، ارتفعت الأصوات:

"أنا ابن المعتقل رقم 11232!"
"أبحث عن جثة أمي منذ عشر سنين!"

ثم... الضحك.
ليس ضحكًا. بل تلك القهقهة السوداء التي يجيدها السوريون.

واحد قال:

— "تسامح؟ عالمنقل أول شي!"
آخر ضاف:
— "في حدا جاب فحم؟"
وطفل صاح من الخلف:
— "بابا! هاد الشيخ بيشبه الوحش يلي بالتلفزيون!"

ثم هتف الجميع:
"بدناااااااااااااااه مشوي!!!"

وفي تلك اللحظة... استيقظت.
ألهث. أبحث عن أوكسجين... أو عن محامٍ.

ذهبت بعدها إلى طبيب نفسي. سويسري.
بملامح لا تتأثر لا بإبادة ولا بمسرحيات.

حكيت له كل شيء. استمع. كتب ملاحظة. ثم قال:

"أنت تحلم بالتسامح... لأنك لا تجرؤ على المحاسبة."

سألته:

— "يعني أنا مريض؟"

قال:

— "لا. الشعب كان المريض. وأنت كنت الفيروس.
والآن بعد أن تعافى... تحلم أن تعود كدواء."

نظرتُ إلى فنجانه الفارغ. قال:

"لا أعرف إن كنت أستحق التسامح...
لكنني أشتاق إليه."

أجبته وأنا أغلق دفتري:

"ومن قال لك إن الشعوب تُسامح؟
هي فقط تُخدَّر قليلًا... إلى أن تتذكّر."

بشار الأسخر
المراسل الحصري لرجلٍ يحلم بالتسامح بعد أن أطلق الرصاص على كل من حلموا بالحريّة.
أدوّن نيابة عنه... لأني لا أطيق صمته، ولا أثق باعترافاته.

 

©Bacharalskhar.info

Nous avons besoin de votre consentement pour charger les traductions

Nous utilisons un service tiers pour traduire le contenu du site web qui peut collecter des données sur votre activité. Veuillez consulter les détails dans la politique de confidentialité et accepter le service pour voir les traductions.